تشهد صناعة المنسوجات في مصر مرحلة تحول لافتة، في ظل توقعات بنمو حجم السوق إلى نحو 12.34 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 4.13%، وفق تقديرات شركة Mordor Intelligence لأبحاث السوق الدولية، وهو ما يعكس قدرة القطاع على الصمود رغم التحديات المرتبطة بتكلفة الإنتاج والطاقة ومتطلبات الاستدامة العالمية.
ورغم اتساع حجم السوق، لا تزال صناعة النسيج في مصر تتسم بانخفاض درجة التركّز، إذ تستحوذ الشركات المملوكة للدولة على ما يتراوح بين 40 و45% من طاقات الغزل والنسيج، في مقابل حضور متنامٍ للقطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية، خاصة في المناطق الصناعية الجديدة وعلى رأسها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في هيكل الصناعة من النمو الكمي إلى تحسين الكفاءة والقدرة التنافسية.
ويبرز قطاع المنسوجات الصناعية والتقنية كأحد أهم محركات النمو خلال السنوات المقبلة، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 6%، مدفوعًا بزيادة الطلب على المنسوجات الطبية، ومنتجات النظافة، وأقمشة السيارات، والملابس الواقية والرياضية، في وقت لا تزال فيه الأزياء والملابس التقليدية تمثل النسبة الأكبر من السوق بنحو 43.7%، لكنها تواجه ضغوطًا متزايدة من ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة وتشدد المعايير البيئية في الأسواق التصديرية.
وعلى مستوى الخامات، تواصل الألياف الاصطناعية، وفي مقدمتها البوليستر، تعزيز موقعها في السوق المصرية، مستحوذة على ما يقرب من نصف الإيرادات، بدعم من استثمارات جديدة في سلاسل إنتاج متكاملة قلصت فترات التسليم وخففت الاعتماد على الاستيراد، بينما يسعى القطن المصري، رغم تراجع حصته النسبية بسبب تحديات الموارد المائية، إلى استعادة ميزته التنافسية عبر مشروعات التتبع الرقمي والاستدامة، لا سيما مع اقتراب تطبيق جواز السفر الرقمي للمنتجات في الاتحاد الأوروبي.
وتراهن الحكومة على برنامج ضخم لتحديث صناعة الغزل والنسيج، باستثمارات تتجاوز 56 مليار جنيه، يستهدف إعادة هيكلة المصانع القديمة، ورفع الطاقات الإنتاجية، وتعزيز الاعتماد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في خفض كثافة العمالة وتحسين جودة المنتجات، في ظل ارتفاع متوسط الأجور إلى نحو 6 آلاف جنيه شهريًا، وتحول التكنولوجيا إلى عامل حاسم في الحفاظ على الهوامش الربحية.
ملفات الطاقة المختلفة
غير أن ملف الطاقة يظل أحد أكثر التحديات إلحاحًا، إذ أدى رفع تعريفة الكهرباء وإلغاء الدعم التدريجي إلى زيادة تكاليف التشغيل بنسب تتراوح بين 15 و20%، خاصة في أنشطة الصباغة والتشطيب كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهو ما دفع الشركات الكبرى إلى الاستثمار في محطات الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة الاستخدام، بينما تواجه المصانع الصغيرة صعوبات أكبر قد تدفعها إلى تقليص الإنتاج أو الخروج من السوق.
وفي السياق ذاته، تمثل آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية «CBAM» اختبارًا حقيقيًا للمصدرين المصريين، مع توقعات بفرض أعباء سعرية إضافية على المنتجات ذات البصمة الكربونية المرتفعة، خصوصًا الألياف الاصطناعية، ما يفرض على الشركات تسريع خطوات قياس الانبعاثات والتحول نحو مصادر طاقة أنظف، لتجنب فقدان القدرة التنافسية في الأسواق الأوروبية.
جغرافيًا، ورغم استمرار تمركز نسبة كبيرة من الإنتاج في القاهرة الكبرى، تشهد محافظات الصعيد والدلتا جذبًا متزايدًا للاستثمارات الصناعية، مستفيدة من انخفاض تكلفة الأراضي والعمالة، إلى جانب توسع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي أصبحت مركزًا رئيسيًا لجذب الاستثمارات الأجنبية في سلاسل القيمة المرتبطة بالمنسوجات.
في المجمل، تقف صناعة النسيج في مصر عند مفترق طرق، بين فرص نمو حقيقية تدعمها السوق المحلية والطلب الخارجي، وبين تحديات هيكلية تتعلق بالطاقة والاستدامة والتكلفة، ليصبح مستقبل القطاع مرهونًا بقدرة الشركات على التكيف السريع، والتحول من نموذج الإنتاج منخفض القيمة المضافة إلى نموذج أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والكفاءة والابتكار.