دعت ورقة سياسات جديدة بعنوان: "بذور التغيير: إعادة التفكير في الأمن الغذائي من أجل انتقال عادل في مصر"، صدرت عن مشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية، إلى تبني مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقليدية للأمن الغذائي، وتحمل الدولة والمجتمع معًا مسؤولية التحول نحو نموذج أكثر عدالة واستدامة.
وحذرت الورقة من أن استمرار السياسات الحالية، القائمة على التوسع الإنتاجي، دون مراعاة قيود الموارد الطبيعية، قد يفاقم هشاشة النظام الغذائي، بدلًا من تحصينه.
ويواجه الأمن الغذائي المصري تحديات مركبة، في مقدمتها الندرة الهيكلية للمياه، وتغير المناخ، والاعتماد المتزايد على الواردات الغذائية. فمصر، التي تجاوز عدد سكانها 107 ملايين نسمة، لا تتجاوز أراضيها الصالحة للزراعة 4% من المساحة الكلية، ما يجعلها شديدة الحساسية لتقلبات الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
وتشير الورقة إلى أن الاعتماد على استيراد القمح والسلع الأساسية من مناطق مضطربة جيوسياسيًا يضاعف المخاطر، في ظل تراجع جودة التربة، وتزايد الضغوط البيئية، والتداعيات غير المباشرة لسد النهضة الإثيوبي.
فجوة بين الاستراتيجيات والواقع
رغم تعدد الخطط الحكومية، مثل استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة 2030، والخطة القومية للموارد المائية 2037، والخطة الوطنية لنظم الغذاء والتغذية 2025-2030، ترى الورقة أن المشكلة لا تكمن في غياب الرؤية، بل في تجزؤ السياسات وتناقض أهدافها.
فبينما تستهدف الاستراتيجية الزراعية تحقيق الاكتفاء الذاتي من محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، تؤكد خطط الموارد المائية ضرورة التكيف مع الندرة الدائمة، ما يخلق فجوة تنفيذية واضحة. ويُفاقم ذلك واقع اجتماعي ضاغط، حيث يعاني 48.8% من الأسر المصرية من انعدام الأمن الغذائي، ويقع 21% من السكان تحت وطأة الفقر متعدد الأبعاد.
المجتمع المدني.. حلقة الوصل المفقودة
تطرح الورقة مفهوم "الانتقال العادل" كإطار جامع، يوازن بين الإنتاجية الزراعية، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية، مع تعزيز الحوكمة التشاركية. وفي هذا السياق، تمنح منظمات المجتمع المدني والتعاونيات الزراعية دورًا محوريًا في سد الفجوة بين السياسات الوطنية واحتياجات المجتمعات المحلية.
وتستشهد الورقة بتجارب دولية ناجحة، أبرزها برنامج "صفر جوع" في البرازيل، الذي ربط بين الشراء الحكومي ودعم الزراعة الأسرية، وتجربة النرويج في إدارة الموارد الغذائية وفق اعتبارات مناخية، إضافة إلى نموذج ملاوي في دمج المجتمع المدني داخل سياسات الزراعة الذكية مناخيًا.
المياه الافتراضية.. إعادة ترتيب الأولويات
أحد أكثر المفاهيم إثارة في الورقة هو "محاسبة المياه الافتراضية"، التي تقيس كمية المياه المستخدمة في إنتاج السلع الزراعية المتداولة تجاريًا. وتدعو الورقة مصر إلى إعادة النظر في هيكل تجارتها الزراعية، عبر تقليص تصدير المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، مقابل استيرادها من الخارج، وتوجيه الصادرات نحو منتجات أقل استنزافًا للموارد.
وتقترح الورقة حزمة سياسات موزعة على المدى القصير والمتوسط والطويل، تشمل إصلاح حوكمة الأمن الغذائي عبر منصات رقمية موحدة، وبيانات مفتوحة، ومساءلة دورية للوزارات، ودمج المياه والمناخ في التخطيط الزراعي، من خلال معايير وطنية لتثمين المياه، وهيئات تنظيمية للبصمة المائية والكربونية، وتوسيع الزراعة الذكية مناخيًا، ودعم الابتكار في الري، وبنوك البذور المقاومة للجفاف، ونظم الإنذار المبكر، وخفض فقد وهدر الغذاء عبر أهداف وطنية واضحة، وتعزيز الاقتصاد الدائري الغذائي، وإعادة موازنة الصادرات مع الأمن الغذائي، من خلال عقود توريد عادلة، وتعاون إقليمي، وتحفيز التصنيع الغذائي منخفض استهلاك المياه.