وسط أزمة اقتصادية ليست بالهينة وتضخم مستمر في مستويات الأسعار مقابل دخول ثابتة أو متراجعة، أصبح الشراء بالتقسيط يتحوّل من وسيلة تمويل ثانوية إلى الخيار الأول لكثير من الأسر المصرية عند قرار الشراء.
تشير بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية إلى نمو هائل في نشاط التمويل الاستهلاكي، ما يعكس تغيرًا في سلوك المستهلك المصري في السنوات الأخيرة.
حسب أحدث تقارير النشاط، وصل إجمالي التمويلات الممنوحة من شركات التقسيط إلى نحو 66.03 مليار جنيه بنهاية الربع الثالث من 2025، مقارنة بـ41.9 مليار جنيه خلال نفس الفترة من 2024، بزيادة تقارب 57.5%، كما ارتفع عدد العملاء المستفيدين من التمويل الاستهلاكي إلى نحو 8.09 مليون مستفيد مقابل 2.89 مليون في العام السابق، بمعدل نمو يقارب 180%.
وتوضح بيانات أخرى، أن نشاط التقسيط انتشر بين السلع المختلفة، من الأجهزة الكهربائية والإلكترونية التي استحوذت على نحو 17–18٪ من حجم التمويلات، إلى السيارات والمركبات، مرورًا بالهواتف المحمولة والأثاث المنزلي.
ضغط اقتصادي يدفع إلى التقسيط
يربط اقتصاديون بين الانتشار الكبير للتقسيط وارتفاع مستويات التضخم مقابل تباطؤ النمو في الدخول الحقيقية للأسر، مما جعل الدفع النقدي الفوري غير ممكن لكثيرين، فالتقسيط يتيح للمستهلكين توزيع تكلفة السلعة على مدى أشهر أو سنوات، وهو ما يُنظر إليه كآلية لتخفيف الضغط على الميزانيات الأسرية في بيئة ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويتقاطع هذا الأمر مع سلوكيات الاستهلاك الحديثة، إذ يميل الكثير من المصريين إلى تخطيط مشترياتهم مسبقًا ومقارنة خيارات التمويل، ما يجعل عروض التقسيط أدوات تمكّن من التسوق الذكي بدلاً من دفع السعر الكامل دفعة واحدة، خصوصًا في السلع مرتفعة القيمة مثل الأجهزة والسيارات.
وشهدت السوق المصرية تطورًا في نماذج التمويل، مع دخول أدوات جديدة، مثل الشراء الآن والدفع لاحقًا (BNPL)، التي تعد أكثر مرونة وسرعة في التنفيذ مقارنة بالتمويل الاستهلاكي التقليدي الذي تقدمه البنوك، على الرغم من غياب تنظيم مستقل لهذه الخدمات حتى الآن.
هذه النماذج تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا المالية وتقييم الجدارة الائتمانية عبر بيانات رقمية، مما يسهّل الوصول إلى حلول تقسيطية حتى بدون إجراءات إقراض معقدة. وهذا يعزز ثقافة الشراء بالتقسيط كممارسة يومية وليس كخيار طارئ فقط.
تأثير اقتصادي أوسع
لا يقتصر تأثير التقسيط على المستهلكين فقط، بل يتعداه إلى تنشيط الطلب المحلي، ما يدعم نشاط التجار والمصنعين، ويساهم في دوران عجلة الاقتصاد، رغم المخاطر المتعلقة بأعباء الفوائد على الأفراد.
ويرى بعض الخبراء أن التوسع في التقسيط يساعد على توسيع الشمول المالي ويكسر هيمنة النقد في المعاملات، ويخلق قاعدة بيانات للائتمان تساعد في تطوير القطاع المالي ككل.
مع هذا النمو، تنبه دوائر اقتصادية إلى أن الزيادة الكبيرة في الاعتماد على التمويل قد تحمل مخاطر، خصوصًا إذا لم يتوازَ مع مراقبة قوية لحماية المستهلك من الإفراط في الاستدانة، أو في حال ارتفاع أسعار الفائدة بشكل كبير في المستقبل، ما يزيد من كلفة السداد على المستهلكين ويؤثر على قدرتهم المالية على المدى الطويل.