الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
عقارات عقارات

مشروع حلول للسياسات البديلة

الضرائب العقارية في مصر.. تحديات قائمة وفرص مستقبلية

قدمت لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ المصري مجموعة من المقترحات لتعديل منظومة الضريبة على العقارات المبنية، مما أعاد فتح النقاش الدائر منذ سنوات حول السياسات الضريبية في مصر. تهدف التعديلات المقترحة إلى تحسين الكفاءة الهيكلية للمنظومة وتعزيز معدلات الالتزام، مع تخفيف الأعباء عن الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل. إصلاح منظومة الضرائب العقارية فُرصة لإعادة توجيه العبء الضريبي نحو العقارات الأعلى قيمة، من خلال هيكل ضريبي تصاعدي وآليات أكثر كفاءة للامتثال والتقييم، بما يُتيح توسيع القاعدة الإيرادية للدولة، ويُعزز العدالة في توزيع الأعباء الاجتماعية.

تناولت دراسة لمشروع حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، هذا الأمر، في دراسة حديثة حصلت عليها “عالم المال”.

أهمية الضرائب العقارية

الضرائب العقارية أكثر كفاءة وعدالة مقارنةً بالضرائب على الاستهلاك، إذ لا تنعكس سلبًا على قرارات الإنتاج أو الاستثمار، لأنها تستهدف الثروة بدلًا من النشاط الاقتصادي. ويأتي هذا على النقيض من ضرائب الاستهلاك، مثل ضريبة القيمة المضافة، التي تُطبق بشكل موحد على الإنفاق وتستنزف بالتالي نسبة أكبر من موارد الأسر منخفضة الدخل. وتكتسب الضرائب العقارية أهمية خاصة في الحالة المصرية، حيث يعتمد النظام الضريبي بدرجة كبيرة على آليات ذات ميل رجعي، وفي مقدمتها ضرائب القيمة المضافة، التي توسعت الدولة في تطبيقها لزيادة الإيرادات العامة.

رغم الأهمية النسبية الكبيرة لقطاع العقارات في الاقتصاد المصري، إلا أن إيرادات الضرائب على الممتلكات، بما في ذلك الضرائب العقارية، لا تزال منخفضة بشكل ملحوظ. وتُعد الممتلكات العقارية في مصر ملاذًا آمنًا للثروة  في مواجهة التضخم وفي ظل تقلبات الاقتصاد الكلي، الأمر الذي انعكس في ارتفاع الطلب عليها بنسبة 137.5% بين أكتوبر 2016 و2025. وتُسهم الضرائب المفروضة على الممتلكات غير المنقولة (العقارات)، عند تطبيقها بشكل دوري، إلى رفع تكلفة حيازة الأصول غير المُستغلة، مما يحدّ من السلوك الريعي ويقلل من دوافع الاحتفاظ برأس المال في أصول غير منتجة للقيمة.

ما الفرق بين النظام القائم والنظام المقترح؟

تستهدف الإصلاحات المقترحة لمنظومة الضرائب العقارية في مصر تعديل حدود الإعفاء والإجراءات، مع الإبقاء على الهيكل الأساسي للمنظومة دون تغيير جوهري. تتضمن التعديلات رفع حد الإعفاء الضريبي من 24.000 جنيه إلى 100.000 جنيه، وذلك بهدف تخفيف الأعباء الضريبية عن كاهل ملاك الوحدات السكنية من ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. وبينما تمنح الإصلاحات المقترحة مجلس الوزراء صلاحية زيادة حد الإعفاء عند نهاية كل فترة تقييم دورية (مدتها خمس سنوات)، إلا أن هذه الصلاحية تظل غير مرتبطة صراحةً بمعدلات التضخم أو المتغيرات في سوق العقارات؛ مما يجعل حجم التعديلات خاضعًا للسلطة التقديرية، وقد تكون غير ملائمة للواقع الاقتصادي.

تسعى التعديلات المقترحة إلى تعزيز كفاءة المنظومة من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية وتعزيز الشفافية. إذ يتيح القانون للممولين تقديم الإقرارات والطعون إلكترونيًا بدلاً من الاعتماد على النماذج الورقية فقط، كما يسمح بتقديم إقرار موحد لمجموعة من العقارات في محافظات مختلفة بدلاً من تقديم إقرارات منفصلة لكل عقار. وتم تبسيط إجراءات طلب الإعفاءات الضريبية، حيث تُقدم الطلبات مباشرة إلى الجهة المختصة وإلغاء الرسوم السابقة، مع إتاحة سداد الضريبة إلكترونيًا بوسائل آمنة. كما يُلزم القانون كذلك بنشر معايير التقييم قبل 60 يومًا على الأقل من بدء سريانه لضمان الوضوح والشفافية.

تقضي التعديلات باستمرار العمل بسعر الضريبة الموحد بنسبة 10% لكافة العقارات التي تتجاوز حد الإعفاء. وعلى الرغم من إشارة القانون صراحةً إلى الوحدات السكنية المستخدمة كمصايف وإلزام الشركات بالإفصاح عن ملاكها، إلا أنه لم يفرض معدلات ضريبية تصاعدية أو متمايزة بناءًا على نمط استخدام العقار. وتعتمد النظم الضريبية في العديد من الدول الأخرى على شرائح ضريبية تصاعدية تزداد بزيادة قيمة العقار، مما يضمن مساهمة أكبر من مالكي العقارات الأعلى قيمة.

نحو ضرائب عقارية أكثر عدالة

تُسهم الانتقادات الموجهة ضد الضرائب العقارية، دون قصد، في تفاقم تركز الثروة وتعميق اللامساواة. وينبغي على مصر -بالإضافة إلى التعديلات الإيجابية المقترحة- اعتماد شرائح ضريبية تصاعدية على العقارات ذات القيمة المرتفعة، وربط حدود الإعفاء بمعدلات التضخم وظروف السوق، وتطبيق منهج تجميع الممتلكات على مستوى الأسرة بالنسبة للمُلاك الأكثر ثراء. 

ومن شأن هذا الإطار أن يضمن تكيف الضريبة تلقائياً مع متغيرات السوق مع الحفاظ على مبدأ العدالة. إصلاح منظومة الضرائب العقارية وتحويلها إلى ضريبة أكثر تصاعدية وسيلة فعالة لتحقيق إيرادات ملموسة، والحد من الميل الرجعي للنظام الضريبي، وضمان قيام الضرائب العقارية بدورها كأداة مالية مستقرة.