لم يعد توطين الصناعة مجرد شعار في الخطط الحكومية، بل أصبح هدفاً اقتصادياً يرتبط بتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتوفير العملة الأجنبية. وتشير مؤشرات عدد من القطاعات الإنتاجية إلى أن الدولة بدأت تحقق تقدماً تدريجياً في تصنيع منتجات كانت تعتمد بدرجة كبيرة على استيرادها، خاصة في الصناعات الدوائية والهندسية.
ويعد قطاع الدواء أحد أبرز نماذج هذا التحول، إذ أعلن رئيس هيئة الدواء المصرية، الدكتور علي الغمراوي، أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الدواء بلغت 91%، بما يعني أن الغالبية العظمى من الأدوية المتداولة في السوق المحلية تُنتج داخل مصر.
كما نجحت الدولة في توطين تصنيع 47 مادة فعالة ضمن 12 مجموعة علاجية، وهو ما أتاح إنتاج 133 مستحضراً دوائياً محلياً خلال عام واحد، في وقت بلغ فيه حجم سوق الدواء المصري نحو 422 مليار جنيه خلال عام 2025، مع أكثر من 2200 خط إنتاج.
ويمتد هذا التوجه إلى قطاع السيارات، الذي يشهد خطوات جديدة نحو التصنيع المحلي. فقد حصلت شركة "ماك لتصنيع وسائل النقل المصرية" على الرخصة الذهبية لإقامة مصنع متكامل بمدينة السادس من أكتوبر لإنتاج وتجميع السيارات التقليدية والكهربائية والهجينة، باستثمارات تبلغ 6.35 مليار جنيه، على أن يبدأ التشغيل مطلع عام 2027، مع توفير نحو ألف فرصة عمل.
زادت الصادرات في مصر إلى 5091 مليون دولار أمريكي في أبريل من 4642 مليون دولار أمريكي في مارس من عام 2026. بلغ متوسط الصادرات في مصر 899.86 مليون دولار أمريكي من عام 1957 حتى عام 2026، وحققت أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 5483 مليون دولار أمريكي في مارس 2022 وأدنى مستوى قياسي عند 12.63 مليون دولار أمريكي في يوليو 1959.
وتنعكس هذه المشروعات على أداء القطاع الصناعي، إذ سجل نشاط الصناعات التحويلية غير البترولية نمواً قوياً خلال الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مدفوعاً بارتفاع إنتاج المركبات ذات المحركات بنحو 50%، إلى جانب نمو صناعة المستحضرات الصيدلانية والكيماوية بنسبة 19%، وفق بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي.
كما تكشف مؤشرات الاستثمار عن تركيز متزايد على الصناعات القادرة على إحلال الواردات. فقد استحوذت الصناعات التحويلية غير البترولية على 65.6% من إجمالي الاستثمارات الصناعية المستهدفة في خطة 2025/2026، البالغة 252.8 مليار جنيه، بينما استحوذ القطاع الخاص على 83% من هذه الاستثمارات، بما يعكس تنامي دوره في تعميق التصنيع المحلي.
ويعزز هذا التوجه إطلاق وزارة الصناعة مبادرة تمويلية بقيمة 30 مليار جنيه تستهدف سبعة قطاعات ذات أولوية، من بينها الصناعات الدوائية والهندسية والغزل والنسيج ومواد البناء، في إطار استراتيجية تهدف إلى زيادة المكون المحلي، وتقليص فاتورة الواردات، ورفع القدرة التنافسية للمنتج المصري.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن توطين الصناعة أصبح أحد المحاور الرئيسية للسياسة الاقتصادية، باعتباره وسيلة لتعزيز الإنتاج المحلي وتحويل الاقتصاد تدريجياً من الاستيراد إلى التصنيع.