لم يعد التحول الرقمي في مصر يقتصر على تطوير الخدمات الحكومية، بل أصبح أحد أدوات إدارة الاقتصاد نفسه، فمن المدفوعات الإلكترونية إلى الفاتورة الضريبية، ومن التخليص الجمركي إلى الشمول المالي، تتجه الدولة إلى بناء منظومة تعتمد على البيانات الرقمية بدلاً من المعاملات الورقية، بما يعزز الكفاءة والشفافية ويحد من الاقتصاد غير الرسمي.
ويبرز الشمول المالي باعتباره أحد أهم مؤشرات هذا التحول، إذ أعلن البنك المركزي المصري ارتفاع نسبة المواطنين الذين يمتلكون حسابات مالية نشطة إلى 77.6% بنهاية عام 2025، مقابل 27.4% فقط في عام 2016، ليرتفع عدد المشمولين مالياً إلى 54.7 مليون مواطن، بمعدل نمو بلغ 219% خلال أقل من عقد، ويعكس ذلك توسعاً كبيراً في استخدام القنوات الرسمية لإجراء المعاملات المالية.
وتزامن هذا التطور مع نمو ملحوظ في وسائل الدفع الإلكتروني، حيث تجاوزت قيمة المعاملات الرقمية أربعة تريليونات جنيه، فيما أصبح أكثر من 60 مليون مواطن يعتمدون على الهاتف المحمول في إجراء معاملاتهم المالية، كما تصدرت بطاقات "ميزة" المدفوعة مقدماً سوق البطاقات المحلية، في مؤشر على اتساع استخدام أدوات الدفع غير النقدي في التعاملات اليومية.
ورقة ميزانية البنوك في مصر:
وامتد التحول الرقمي إلى المنظومة الضريبية، بعدما استكملت مصلحة الضرائب تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية على جميع الممولين، مع التوسع في تطبيق منظومة الإيصال الإلكتروني لتشمل قطاعات التجزئة والخدمات، مثل المطاعم والصيدليات والعيادات، بما يسمح بتسجيل المعاملات لحظياً، ويعزز كفاءة التحصيل الضريبي ويحد من التهرب.
وفي التجارة الخارجية، أصبحت منصة "نافذة" الإلكترونية محوراً رئيسياً لإدارة الإجراءات الجمركية، إذ تغطي أكثر من 95% من البضائع الواردة إلى مصر، بالتوازي مع تطبيق نظام التسجيل المسبق للشحنات (ACI)، الذي يسمح بإنجاز جانب كبير من الإجراءات قبل وصول البضائع إلى الموانئ، بما يقلل زمن الإفراج الجمركي ويقضي على دورة المستندات الورقية التقليدية.
ويواصل البنك المركزي العمل على إعداد الاستراتيجية الثانية للشمول المالي للفترة 2026-2030، مع التركيز على التوسع في الخدمات المالية الرقمية وتعزيز دمج الفئات الأقل استخداماً للنظام المالي، وفي مقدمتها المرأة، التي ارتفعت نسبة شمولها المالي من 19.1% عام 2016 إلى 71.4% بنهاية 2025.
وتشير هذه التطورات إلى أن الرقمنة لم تعد مجرد تحديث إداري، بل أصبحت ركيزة لإدارة الاقتصاد الحديث. فكل معاملة إلكترونية، وكل فاتورة رقمية، وكل عملية دفع موثقة تضيف بيانات جديدة تساعد في تحسين كفاءة السياسات الاقتصادية، وتعزيز الشفافية، وتضييق مساحة الاقتصاد غير الرسمي، بما يجعل "الاقتصاد بدون ورق" أحد أبرز ملامح التحول الاقتصادي في مصر.