في الوقت الذي تتنافس فيه الدول على جذب المصانع والاستثمارات التقليدية، اختارت مصر أن تدخل سباقًا من نوع آخر؛ سباق تصدير الخدمات الرقمية. فبدلًا من تصدير السلع فقط، تسعى الدولة إلى تصدير البرمجيات، وخدمات التعهيد، وتطوير التطبيقات، والدعم الفني، وتحليل البيانات، باعتبارها أحد أسرع مصادر النقد الأجنبي نموًا عالميًا.
وتستند هذه الرؤية إلى ثلاثة محاور رئيسية: التوسع في مراكز التعهيد، وجذب استثمارات مراكز البيانات، وإعداد كوادر قادرة على المنافسة في اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
التعهيد.. صناعة تقترب من 6 مليارات دولار
أصبح قطاع التعهيد أحد أسرع القطاعات نموًا داخل الاقتصاد المصري، بعدما بلغت صادراته نحو 5.2 مليار دولار خلال العام الماضي، فيما تستهدف وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رفعها إلى 6 مليارات دولار خلال عام 2026.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن مصر تستضيف اليوم أكثر من 270 مركزًا للتعهيد تدير من خلالها شركات عالمية خدماتها لعملاء في مختلف الأسواق، مستفيدة من انخفاض تكلفة التشغيل، وتوافر الكفاءات البشرية، والموقع الجغرافي الذي يتيح تقديم الخدمات لأسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا في توقيتات عمل متقاربة.
وفي هذا الإطار، تعمل الوزارة على تنفيذ المرحلة الثانية من استراتيجية تنمية صناعة التعهيد، مع التركيز على الخدمات الأعلى قيمة مضافة، في ظل التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل العالمي.
مراكز البيانات.. البنية التحتية للاقتصاد الرقمي
ولا يقتصر الرهان على تصدير الخدمات الرقمية، بل يمتد إلى جذب الاستثمارات في مراكز البيانات، التي تمثل البنية الأساسية للحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ولهذا الغرض، تعمل وزارة الاتصالات على إعداد استراتيجية وطنية لتنظيم إنشاء مراكز البيانات، تتضمن خريطة استثمارية وحوافز مخصصة لجذب الشركات العالمية، مستفيدة من الموقع الجغرافي لمصر الذي يؤهلها لتكون نقطة إقليمية لتبادل البيانات.
ويعكس إعلان مجموعة إنكوم اعتزامها إنشاء مركز بيانات في برج العرب باستثمارات تبلغ 300 مليون دولار هذا التوجه، إذ سيعتمد المشروع على قدرات كهربائية تصل إلى 400 ميجاوات، بما يجعله من أكبر مشروعات البنية الرقمية في المنطقة.
الاستثمار في الكفاءات قبل التكنولوجيا
وتدرك الحكومة أن نجاح صناعة التعهيد لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل يرتبط بقدرة السوق على توفير العمالة المؤهلة.
وفي هذا السياق، توسعت وزارة الاتصالات في برامج إعداد الكفاءات الرقمية عبر مبادرات «أجيال مصر الرقمية»، ومعهد تكنولوجيا المعلومات (ITI)، والمعهد القومي للاتصالات (NTI)، إلى جانب جامعة مصر للمعلوماتية ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، بهدف إعداد كوادر قادرة على المنافسة في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
كما تتجه الوزارة إلى نشر مراكز التعهيد خارج القاهرة الكبرى، عبر التوسع في محافظات مثل الأقصر والصعيد والجيزة، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتقليل التركز الجغرافي للصناعة.
التصنيع الرقمي.. وجه آخر للاستراتيجية
ولا تنفصل صناعة البرمجيات عن التصنيع الإلكتروني، إذ ارتفع عدد العلامات التجارية التي تُصنّع الهواتف المحمولة داخل مصر إلى 15 علامة تجارية، في خطوة تستهدف توطين جزء من صناعة الإلكترونيات، وخلق تكامل بين التصنيع والخدمات الرقمية.
ويمثل هذا التكامل أحد عناصر الاستراتيجية الحكومية لبناء اقتصاد رقمي يجمع بين إنتاج الأجهزة، وتطوير البرمجيات، وتشغيل مراكز البيانات، وتقديم خدمات التعهيد للأسواق العالمية.
هل تصبح البرمجيات أحد أهم مصادر الدولار؟
تعكس المؤشرات الحالية نموًا متسارعًا لقطاع التعهيد، إلا أن الطموحات الحكومية تتجاوز الوصول إلى 6 مليارات دولار خلال العام الجاري، إذ تستهدف وزارة الاتصالات رفع صادرات القطاع إلى 8 مليارات دولار خلال عامين.
ويبقى تحقيق هذا الهدف مرهونًا باستمرار الاستثمار في الكفاءات البشرية، وتسريع إنشاء مراكز البيانات، وتعزيز قدرة الشركات العاملة في مصر على تقديم خدمات أكثر تعقيدًا تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بدلًا من الاقتصار على خدمات الدعم التقليدية.
وفي حال نجاح هذه الاستراتيجية، قد تتحول البرمجيات وخدمات التعهيد إلى أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري، جنبًا إلى جنب مع السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، وقناة السويس، بما يعزز تنوع موارد العملة الصعبة ويقلل الاعتماد على المصادر التقليدية.