أعادت الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، قضية الأمن الغذائي إلى صدارة أولويات الدول، بعدما كشفت اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الحبوب عن مخاطر الاعتماد المفرط على الاستيراد.
وفي هذا السياق، تتبنى مصر استراتيجية تقوم على التوسع في الرقعة الزراعية، وتحديث منظومة الري والتخزين، وإنشاء مجتمعات إنتاجية متكاملة، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز القدرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
الدلتا الجديدة.. أكبر توسع زراعي في تاريخ مصر
يمثل مشروع الدلتا الجديدة حجر الأساس في هذه الاستراتيجية، إذ يعد أكبر مشروع للاستصلاح الزراعي في تاريخ البلاد.
ودشّن الرئيس عبد الفتاح السيسي المشروع في مايو 2026 باستثمارات تبلغ نحو 800 مليار جنيه، ليستهدف إضافة 2.2 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة غرب الدلتا، بما يعادل زيادة تقارب 15% في إجمالي الرقعة الزراعية المصرية.
ويضم المشروع عدة مناطق رئيسية، أبرزها مشروع مستقبل مصر، ومشروع جنوب محور الضبعة، إلى جانب أراضٍ مخصصة لمشروعات جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، في إطار رؤية تستهدف إنشاء مجتمعات زراعية وعمرانية متكاملة، وليس مجرد استصلاح أراضٍ جديدة.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن المشروع من المتوقع أن يوفر نحو مليوني فرصة عمل سنويًا، مع استيعاب قرابة مليوني أسرة داخل مجتمعات تنموية جديدة ترتبط بالأنشطة الزراعية والصناعية والخدمية.
إدارة المياه.. التحدي الأكبر
ولا تقتصر أهمية المشروع على التوسع في المساحات المزروعة، بل تمتد إلى تبني منظومة متطورة لإدارة الموارد المائية، في ظل محدودية الموارد التقليدية.
ويعتمد المشروع على محطة عملاقة لمعالجة مياه الصرف الزراعي بطاقة تصل إلى 6 ملايين متر مكعب يوميًا، لإعادة استخدام المياه في الري، إلى جانب تطبيق نظم الري الحديثة التي تستهدف رفع كفاءة استخدام المياه وتقليل الفاقد.
ويمثل هذا التوجه أحد أهم عناصر استراتيجية الدولة للتوسع الزراعي دون زيادة الضغوط على حصة مصر من مياه النيل.
الصوامع والتصنيع الزراعي
وتواكب التوسع في الإنتاج الزراعي خطة لزيادة القدرات التخزينية وتقليل الفاقد بعد الحصاد.
ولهذا الغرض، يعتمد المشروع على شبكة من الصوامع الحديثة لتخزين القمح والذرة والمحاصيل الاستراتيجية، كما وقع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة اتفاقًا لإنشاء صوامع جديدة بطاقة تخزينية أولية تبلغ 120 ألف طن، مع خطط لرفعها إلى 500 ألف طن في المراحل اللاحقة.
ولا يتوقف المشروع عند الزراعة فقط، بل يشمل إنشاء محطات للتعبئة والتغليف، ومصانع للتصنيع الغذائي، ومشروعات للإنتاج الحيواني، ومزارع للدواجن والأسماك، بما يسمح بتحويل المحاصيل إلى منتجات ذات قيمة مضافة، بدلاً من الاكتفاء ببيعها في صورتها الخام.
من زيادة الإنتاج إلى تقليل الواردات
تعكس هذه المشروعات تحولًا في مفهوم الأمن الغذائي، إذ لم يعد الهدف مجرد زيادة الرقعة الزراعية، بل بناء منظومة إنتاج متكاملة تبدأ باستصلاح الأراضي، وتمر بإدارة المياه، والتخزين، والتصنيع، وصولًا إلى التسويق والتصدير.
ويمثل ذلك رهانًا على تقليل الاعتماد على استيراد السلع الغذائية الأساسية، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية، خاصة في ظل الارتفاعات المتكررة في أسعار الغذاء والشحن.
الأمن الغذائي.. استثمار طويل الأجل
ورغم ضخامة الاستثمارات الموجهة لمشروع الدلتا الجديدة، فإن عائدها لا يقاس فقط بعدد الأفدنة المستصلحة، وإنما بقدرة المشروع على زيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين كفاءة استخدام المياه، ورفع الطاقة التخزينية، وتعزيز الصناعات الغذائية.
وفي حال تحقيق هذه الأهداف، قد يشكل المشروع أحد أهم ركائز الأمن الغذائي المصري خلال العقود المقبلة، عبر تقليل فجوة الاستيراد، وتعزيز الاكتفاء النسبي من المحاصيل الاستراتيجية، وخلق قاعدة إنتاج زراعي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات العالمية.