الخميس، 04 يونيو 2026
القاهرة 32
آخر الأخبار
تأمين تأمين

نمو أقساط التأمين يعيد تشكيل محفظة القطاع ويعمّق فجوة التعويضات

في الوقت الذي تسجّل فيه سوق التأمين المصرية معدلات نمو "جيدة" في الأقساط، تطرح الأرقام الرسمية تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كان هذا التوسع يعكس تحسنًا حقيقيًا في كفاءة السوق وجودة الخدمة، أم يأتي على حساب سرعة وعدالة صرف التعويضات.

كشف تحليل إحصائي أجرته "عالم المال" لتقارير "الرقابة المالية" أن سوق التأمين المصرية شهدت توسعًا خلال السنوات العشر الماضية، مدفوعًا بنمو الأقساط المحصلة، مقابل وتيرة أبطأ نسبيًا في نمو التعويضات، إذ ارتفعت الأقساط من نحو 18.2 مليار جنيه في 2016 إلى 100 مليار جنيه بنهاية 2025، محققة نموًا تراكميًا يقترب من 449%، وبمعدل نمو سنوي مركب بلغ نحو 20.8%.

وحسب تحليل "الرقابة المالية" إحصائيًا، صعدت التعويضات المسددة من 10.8 مليار جنيه إلى 47 مليار جنيه خلال 2016-2025، بإجمالي تغير بلغ 335%، وبمعدل تغير سنوي مركب 17.8%، بينما تراجعت نسبة الفجوة بين التعويضات إلى الأقساط من 59.3% في 2016 إلى 47% في 2025، مع تسجيل مستويات نحو 52% في 2019 و46.9% في 2020، قبل أن تشهد هبوطًا في 2022 إلى 27.4%.

التحقيق الحالي، يبحث سؤال: هل يعكس نمو أقساط التأمين تحسنًا حقيقيًا في كفاءة السوق أم يتم على حساب سرعة وعدالة صرف التعويضات؟

قال علاء الزهيري، رئيس الاتحاد المصري للتأمين، إن قطاع التأمين يبرز كأحد المحركات الصاعدة، مدفوعًا بمعدلات نمو، وصفها بـ"لافتة"، وصلت إلى نحو 5 أضعاف منذ 2017، متوقعًا استمرار نمو النشاط بمصر بمعدل يقارب 25% سنويًا خلال السنوات المقبلة.

وذكر الزهيري، أن التعاون مع مختلف الجهات الأكاديمية والرقابية والمهنية يعكس نموذجًا ناجحًا لسوق تأمينية قوية متنوعة، إذ أثبتت السوق أنها من أولويات المستثمرين، لا سيما رؤوس الأموال الساعية للدخول إليها.

وأوضح رئيس اتحاد التأمين أن شركات التأمين تلعب دورًا في حماية الاستثمارات، واستقرار المصانع والشركات، وتقليل المخاطر التشغيلية والمالية، بما ينعكس مباشرة على مناخ الاستثمار وثقة المستثمرين.

وأشار الزهيري إلى أن القفزة التي حققتها سوق التأمين منذ 2017 تعكس ثقة متزايدة في القطاع المصري، ودوره المتنامي كأحد روافع الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل التوسع في التغطيات التأمينية، وارتفاع الوعي التأميني، وربط الصناعة بمتطلبات التنمية المستدامة.

شراكات تصنع الفارق

قال خالد عبد الصادق، نائب رئيس الاتحاد المصري للتأمين والعضو المنتدب لشركة المهندس للتأمين، إن شراكات مؤسسات التأمين مع الحكومة والقطاع الخاص والجامعات وغيرها مثلّت ركيزة أساسية لتوطين التكنولوجيا وتعظيم أثرها التنموي، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية، بل مدخل حقيقي لتعزيز تنافسية مصر إقليميًا ودوليًا.

وبيّن عبد الصادق أن قطاع التأمين لم يعد مجرد نشاط خدمي، بل لاعبًا رئيسًا في معركة التنافسية، يجمع بين الأرقام القوية، وبناء الكوادر، والتحول الرقمي، في لحظة فارقة من مسار الاقتصاد المصري.

وحسب تحليل "عالم المال" لبيانات "الرقابة المالية" إحصائيًا، سجلت فجوة الاكتتاب (الفرق بين الأقساط والتعويضات) اتساعًا ملحوظًا، إذ ارتفعت من 7.4 مليار جنيه في 2016 إلى 53 مليار جنيه في 2025، بعد أن بلغت ذروتها عند 61.6 مليار جنيه في 2022.

بينما يشير تحليل بيانات "الرقابة المالية" إلى أن الفجوة تضاعفت أكثر من 7 مرات خلال عقد، مدفوعة بالقفزة الاستثنائية في الأقساط عام 2022 دون زيادة موازية في التعويضات، وهو ما عزز الملاءة المالية قصيرة الأجل للشركات، لكنه في الوقت نفسه أثار تساؤلات حول جودة الاكتتاب وسرعة تسوية المطالبات.

وقال أحمد إبراهيم، خبير التأمين الاستشاري، إن متوسط الفجوة بين الأقساط والتعويضات خلال العشر سنوات السابقة، تقدَّر بنحو 45-50%، ووصفها بـ"مستويات تُعد مقبولة إكتواريًا".

وأضاف أن القراءة الإحصائية، تُظهر أن تحسن الأقساط لا يعكس بالضرورة تحسنًا متوازيًا في جودة الخدمة، إذ قد يكون ناتجًا عن تشدد في تسويات المطالبات أو فجوة زمنية بين تحصيل الأقساط وصرف التعويضات، خاصة في سنوات القفزات السريعة للأقساط.

وحسب تحليل "عالم المال" لبيانات "الرقابة المالية" إحصائيًا، ارتفعت حقوق حملة الوثائق من 46 مليار جنيه في 2016 إلى 159 مليار جنيه في 2024، بإجمالي نمو بلغ نحو 246%، ومعدل نمو سنوي مركب يقترب من 16.7%، إذ لم تصدر البيانات الرسمية لـ2025 بعد، إذ أظهر التحليل أن نمو حقوق حملة الوثائق جاء أبطأ من نمو الأقساط، لكنه اتسم باستقرار أكبر وتقلب أقل، بما يعكس تعزيز الاحتياطيات وتحسن القاعدة الرأسمالية لسوق التأمين.

ذكر إبراهيم أن 2022 يعد نقطة فاصلة إحصائيًا في القطاع خلال السنوات العشر السابقة، مع قفزة سنوية في الأقساط بنحو 79% مقابل استقرار نسبي في التعويضات، مبينًا أن نمو الأقساط مقارنة بالتعويضات يعكس عدم توازن نسبي في السوق، قد يترجم إلى ضغوط متزايدة على العملاء.

وبيّن أن تحسن المؤشرات الفنية، وعلى رأسها انخفاض الـ"Loss Ratio"، لا يعني ضرورة ارتفاع مستوى رضا المتعاملين، إذ قد يرتبط بتأخر الصرف أو تشدد إجراءات التسوية.

وأشار إلى أن أرقام سوق التأمين المصرية حققت نموًا في الأقساط خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد 2021، بمعدلات فاقت نمو التعويضات، مرجعًا هذا الفارق، رغم وصفه بـ"إيجابي من زاوية الملاءة المالية والنتائج الفنية"، إلى انعكاسه عمليًا على شريحة من العملاء في صورة بطء نسبي في تسوية المطالبات وتشدد أكبر في الفحص والمراجعة.

وبيّن أن التوسع السريع في الأقساط لم يُقابله دائمًا تطوير مماثل في إدارات المطالبات وأنظمة التسوية الرقمية وعدد الخبراء والمُقيّمين، ما خلق فجوة تشغيلية بين التحصيل والصرف.

وبيّن عبد الصادق، أن ثورة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تمثل فرصة كانت إستراتيجية لتعزيز تنافسية القطاع التأميني بمصر، لافتًا إلى أن رؤية مصر 2030 تضع الاقتصاد القائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا في صدارة أولوياتها.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة رئيسة لتحسين الأداء الحكومي، وتطوير الخدمات، ودعم اتخاذ القرار، ذاكرًا أن الاستثمار في المهارات الرقمية وبناء القدرات البشرية هو طريق تحقيق أهداف التنمية.

وبيّن الزهيري أن استثمار قطاع التأمين في رأس المال البشري، مؤكدًا اهتمام الاتحاد المصري للتأمين بالتعاون مع جامعة القاهرة في إعداد كوادر متخصصة في العلوم الإكتوارية، باعتبارها حجر الزاوية لصناعة التأمين الحديثة.

بينما تعكس الأرقام الرسمية نمو سوق التأمين المصرية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الأقساط وحده، بل في قدرة السوق على تحويل هذا النمو إلى ثقة مستدامة، عبر تسوية عادلة وسريعة للتعويضات، تواكب الطفرة الكمية التي حققتها الصناعة خلال العقد الأخير.